- تفسير القرآن الكريم / ٠1التفسير المختصر
- /
- (049) سورة الحجرات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما
ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة الكرام، الآية السابعة من سورة الحجرات، وهي قوله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
النبي عليه الصلاة والسلام نبيُّ الله، ورسول الله، وهناك مَن يحْلو لهُ أن يقول: هو عَبْقَرِيّ، وفَطِن، ولكنَّهُ يتلقَّى مِن ربِّهِ وَحْيًا، فالذي يأتينا به ليس من عنده، ولا مِن عبْقَرِيَّتِهِ، ولا مِن خِبْرَتِهِ، ولا مِن ثقافَتِهِ، ولكن مِن وحَي السَّماء، فالله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
كما قال تعالى:
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(1)﴾
لا تُقدِّم اقْتِراحات، ولا بديلاً لسُنَّتِهِ فإنَّ الذي بينكم هو رسول الله، وأُوحِيَ إليه، والوَحيُ كمالٌ مُطلق، وحِكمةٌ مُطلقة، وصوابٌ مطلق، قال تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾
معنى عنِتُّم أي هَلِكْتُم وأثمْتم، لأنَّ الله هو الخبير، وقد قال الله عز وجل:
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾
هو الخالق والبارئ والمُصَوِّر، وهو الذي خلق الإنسان، وجبلَهُ جِبِلَّةً خاصَّة ويعرف خصائص النَّفس البشَرِيَّة فَتَشْريعُ الله عز وجل هو الصَّواب المطلق، فأيُّ إنسانٍ يُقَدِّم بين يدي رسول الله بديلاً لأمْر من الله عز وجل هو لا يعْلمُ حقيقة التَّشريع، قال تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾
هو يوحَى إليه، والوَحيُ هو تَوجيهُ الخالق، فأيُّ تَوجيهٍ أرضي، بين توجيه أهل الأرض، وتوجيهِ أهل الدنيا ما بين الخالق والمخلوق، وفضل كلام الله على كلام خلقهِ كَفَضل الله على خلْقِهِ، فلا يُمْكن أن تضعَ التَّشريع الإلهي جَنبًا إلى جنب مع التَّشريع الوضعي، ولا يُمكن أن تضَعَ التَّشريع الإلهي في دائرة المناقشة، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا(36)﴾
لا يُمكن أن يوضَعَ تشريع الله مَوْضِعَ الفحْص والدَّرس والمناقشة، فالحدّ الأدنى من الإيمان أنَّه إذا ثبت لك أنَّ هذا حُكمٌ شرعي مُستقى من كتاب الله تعالى، أو مِن سنَّة رسوله أن تُفَكِّر كيف تُطَبِّقُهُ فقط أما أن تفْحصَهُ وتضَعَهُ على بِساط البحث، وأن تُحَكِّمَ عقْلَكَ فيه، هذا كُلُّه لا يجوز فالعقْل وظيفته قبل النَّقْل التَّأكُّد مِن صِحَّة النَّقل، وبعد النَّقل فَهمُ النَّقْل، فالعقل له دوران مع العَقل دَورٌ تثبُّتي، ودوْر في فهْم النَّقْل أما أن يكون العقل حكَمًا على النَّقل، وأن أُفكِّر وأقول: هذه الآية لا تصلُحُ لهذا الزَّمان، مثل هذا الإنسان ينْطلق مِن جهْل كبير، قال تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾
قال الإمام الشافعي: أولوا الأمْر هم الأمراء والعلماء، فالعلماء يعرفون الأمْر، والأمراء يُطَبِّقون الأمر، قال تعالى:
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا(59)﴾
فالحَكَم هو الله في كتابه، والنبي صلى الله عليه وسلَّم في سنَّتِهِ، إذًا كما قال تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾
رآلاف العباقرة، فهناك شَخصيَّات لامعة، وشَخْصِيَّات قيادِيَّة، وعباقرة في شَتَّى العلوم، وكلُّهم في كفَّة، ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم في كفَّة لأنَّه يتلقَّى عِلْمهُ من الله تعالى، قال تعالى:
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى(5)﴾
قد يقول أحدكم: إنَّهُ أُمِّيٌّ !! ولكنَّ أُمِّيَّتَهُ في الحقيقة كمالٌ فيه، ضربْتُ مثلاً مرَّةً لإخواننا الكرام فقلتُ لهم: لو جِئنَا بِعالِمٍ كبير كبير من أوروبا في الفيزياء ولْيَكُن آنْشتايْن الذي اكْتشَفَ النَّظَرِيَّة النِّسْبيَّة وأمْسَكَ كتابًا باللُّغة العربيَّة فلم يسْتَطِع أن يقْرأهُ !! وحدَّثناهُ باللُّغة العربيَّة فلم يفْهم شيئًا، هذا إذًا أُمِّيٌّ في هذه اللُّغة، لذا هل تعني كلمة أُمِّيّ أنّهُ جاهِل، وهو أعلمُ علماء الأرض بالفيزياء !! فالله سبحانه وتعالى تولَّى تعليم النبي صلى الله عليه وسلَّم، ولكن لماذا منَعَهُ من ثقافة عصْرهِ ؟ لأنَّه لو حصَّل ثقافة عصْرِهِ ثمَّ جاءَهُ وَحْيُ السَّماء وتكلَّم الْتبسَ على الناس أَوَحْيٌ أم ثقافة ؟ ولو كان الأمر كذلك لسُئِلَ كلّ مرة: أهذا مِن ثقافَتِك أم من وحيٍ من السماء ؟! فالله جعلَهُ أُمِّيًا لكي لا يأتي إلى إنائِهِ شيء من ثقافات الأرض، ولِيَكون كلامه كلُّه مِن وَحيِ الله، قال تعالى:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)﴾
فإذا قال النبي شيئًا فهذا ليس مِن ثقافته، ولا مِن ذكائِهِ، ولا مِن مُحاكمتِهِ بل هو من الله عز وجل، بل إنَّ علماء الأُصول يؤكِّدون أنَّ سنَّة النبي عليه الصلاة والسلام وَحْيٌ غير مَتْلُوّ، خِلاف القرآن الذي هو وَحيٌ مَتْلُوّ، فأنت حينما تُلقي النَّظَر إلى حديث رسول الله فهذا ليس كلام بشَر، هذا وَحيٌ غير مَتْلُو، ومن هنا قال سيِّدنا سعْد بن أبي وقَّاص: ثلاثة أنا فيهنّ رجل، وفيما سِوى ذلك فأنا واحد من الناس، من هذه الثلاثة: ما سَمِعْتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا علِمْتُ أنَّهُ حقٌّ من الله تعالى، فلا مِن ذكائِهِ، ولا مِن تَجْرِبتِهِ، ولا مِن تحْصيلِهِ بل كلامهُ كلّه من السماء، وأُمِّيَّتُهُ كمال فيه، أما أُمِّيَّتُنا نحن فَنَقْصٌ فينا، فإن لم نتعلَّم مِن بعضِنا بعْضًا بقينا جُهَلاء، فإذا وصَفنا إنسانًا غير الرسول أنَّه أُمِيّ فهذا يعني أنَّ فيه نقْص، أما إن وصَفنا النبي الكريم أنَّ أُمِيّ فهذا كمال فيه لأنّ كلامه من عند الله وليس من عنده.
إذًا معنى قول الله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
أيْ فيكم إنسان يتلقَّى مِن وَحي السَّماء، فهذا الذي يقولهُ لا يُمكن أن يخْضَعَ لِمُناقشاتكم ولا يخْضَعُ لِتَقييمِكُم، ولا يُمكن أن يكون عقْلكم حكمًا عليه، بل هو حكمٌ على عُقولِكم.
أما لو اسْتجاب لكم وأطاعَكم، واقْتَرحْتُم عليه اقْتِراحات فاسْتجاب لكم فأنتُم بشَر تُصيبون وتخطئون فإذا شرَّعْتُم فكثيرًا ما تخطئون، لأنَّكم تتملَّقون أنفسكم، وتجرون المصالح إليكم، فالتَّشريع لا يمْكن أن يضَعَهُ بشر لأنَّه إن وضَعَهُ بشر حابى نفْسَه، وحابى طبقَتَه، وجماعته، أما حينما يكون التَّشريع من عند الله يخْضَعُ له الجميع، قال تعالى:
﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
فالعقل له مدى، فأنت لك مصالح، ولك أهواء وهناك منطقة قد لا تعرفها
قل لِمَن يدَّعي في العِلم فلْسفةً حَفِظْتَ شيئًا وغابَت عنك أشْياءُ
التَّشريعات الأرضيَّة تُعَدَّل، ثمّ تُعَدَّل، إلى أن يُصبح التَّعديل عشرة أمثال الأصل، ثمّ تُلغ وينشأ تشْريع جديد، وهكذا، فهذا مِن شأن البشر، أما شانُ خالق البشر أنَّ الحقيقة عندهُ مطلقة، والحكمة مطلقة والصواب مطلق ثمَّ قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
هذه نقطة دقيقة جدًا، فقلبنا بيد الله، وهو لِمَصالحنا، فإذا اتَّخَذ الإنسان قرارًا حكيمًا، وأراد أن يعرف الله تعالى، وأن يسْتقيم على أمْرِهِ تَجِدُهُ يشْعر بِرَاحة وسعادة، وطمأنينة، ويشْعر بِسُرور، فهذا مَبْعَثُهُ أنَّ قلبَ العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
فَمِن معاونة الله لنا أنَّنا إذا أردنا أن نعرف الله شرَحَ لنا صُدورنا،فإذا أردنا أن نعْصِيَهُ ضاقَت أنفسنا، فهذا لِصالحِنا، وكأنَّ الله تعالى يدعمنا دَعْمًا داخِلِيًّا.
الشيء الآخر، أنَّ الإنسان مُخَيَّر، والله هو المُسيِّر، فلو أنَّ الإنسان أطْلقهُ الله عز وجل لفَعَل الإنسان أشياء ما أرادها الله، فما دام قلبُ الإنسان بيَدِ الله فإذا أراد أن يرْحم الله إنسانًا ألْقى حُبَّهُ في قلوب الآخرين ون أراد أن يؤدِّب إنسانًا ألقى بُغْضهُ في قلوب الآخرين، فالآخرون يتحرَّكون وِفْقَ مشاعر تنْبع، هي من تسْيير الله عز وجل، وهذه قاعدة ثابتة، فالقلب الذي أمامك إما أن يلين لك، وإما أن يقْسو عليك لِحِكمة الله ومن هنا يُنسِّق الله بين العباد قال تعالى:
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
ومن هنا قال عليه الصلاة والسلام: قلب ابن آدم بين إصبع من أصابع الرحمن..." أراد الله أن ينقذ سيّدنا موسى وهو طفلٌ صغير في التابوت، قال تعالى:
﴿أَنْ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(39)﴾
من الذي ألقى الحنان في قلب امرأة فرعون ؟ الله تعالى، قال تعالى
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21)﴾
فَفِرْعون رأى في المنام أنَّ طفلاً من بني إسرائيل سيَقضي على مُلْكِهِ، فقَتَل كلّ أبناء بني إسرائيل، أما الذي سيَقضي على مُلْكِهِ ربَّاهُ في قصْرهِ !! قال تعالى:
﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ(8)﴾
اللام هنا لام المآل، فالأقوياء قلوبهم بيَدِ الله عز وجل فلا تشغلوا أنفسكم.
يُنادى له في الكون أنَّا نُحِبُّه فَيَسْمَعُ من في الكون أمْر مُحِبِّنا
فإذا أراد الله أن يُكَرِّمَكَ ألقى حُبَّك في قلوب الخلائق، وإذا أراد الله أن يؤدِّب إنسانًا ألقى بُغضَهُ في قلوب الخلائق، وهذا لِصالح الإنسان، فالإنسان الواحد يقْسو على زيْد، ويرحم على عُبيْد !! قال تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7)﴾
هناك بأوروبا مرض نفسي اسمهُ الكآبة، وهذا تأديب من الله، وهو من أكثر الأمراض النَّفسيَّة انتشارًا وهذا من تأنيب الفطرة، وتعذيب النَّفس لِصاحبها، والدليل قوله تعالى:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)﴾
أحد الإخوة دهس طفلاً فلم يرهُ أحد فتابَعَ سيْرَهُ، وحينها أُصيب بمرض نفسي، فلا نام الليل ولا أكل، عشرين يومًا، ولمَّا ذهب لِطَبيب نفسي أخبره، فقال الطبيب: معك اكْتِئاب نفسي، ولا بدّ لك مِن أن تُعطي ديَّة هذا الطِّفل لأهله، فبحَث عنه، وأعطى أهلهُ مبلغًا كبيرًا كي يستطيع أن ينام !! فالنَّفس إن انْفجرت تشْعر أنَّها اكتأبَت، وإن اتَّقَتْ تشعر أنَّها اتَّقَت فتسْعَد.